عرض مشاركة واحدة
 
قديم 11-10-2007, 02:15 PM رقم المشاركة : 2 (permalink)
معلومات العضو

الصورة الرمزية ( كبرياء أنثى )

حوار ونقاش

القضية الأولى:



تحدثا عن أول قضية وهي السؤال عما لم يقع، أي ماذا تقول عن شئ لم يحدث أصلاً، وجهة نظر الإمام مالك عدم السؤال عن شئ لم يقع، ولا نخترع أحداثاً وهمية، بل نتحدث عن الحقائق التي حدثت بالفعل، لكي لا نشغل الناس وندخل الناس في الجدل، وسنده في ذلك قول الله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ...) البقرة189، ويقول الإمام مالك أن عمر بن الخطاب لعن من يسأل عما لم يقع وكان يقول: لا تشغلونا بأشياء لم تحدث، اشغلونا بما نحن فيه، لينشغل الناس بالحق، ولا نضيع وقتنا. وأسس الإمام مالك قاعدة في مذهبه: كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالكلام فيها من الجدل الذي نهينا عنه شرعا.

جاء رجل إلى الإمام مالك وسأله: أرأيت أنني كنت أسير في الطريق، فوجدت دجاجة ميتة ودست عليها، فخرج منها بيضة، فأخذت البيضة، فسقطت فخرج منها كتكوت، هل يجوز أن أذبحه وآكله؟ فقال له الإمام مالك: أعراقي أنت؟ فقال الرجل: نعم، فقال الإمام مالك: هذا فعل أبي حنيفة، وقال: سلوا عن ما يقع، لا تسألوا عما لا ينفع. و جاء أيضا رجل آخر إلى الإمام مالك وقال له: أرأيت إذا قال رجل لرجل: يا حمار، ماذا يفعل به؟ قال: يجلد تأديباً، فقال له: أرأيت إذا قال له يا حصان؟ فقال: تجلد تأديباً لأنك عراقي، فهذه هي وجهة نظر الإمام مالك.

أما فقه أبي حنيفة فهو الفقه التقديري أي نخترع مسائل، ففي فقه أبي حنيفة هناك ستون ألف مسألة لم تحدث. لذلك قال الإمام مالك للإمام أبي حنيفة: أنت تدخل الناس في جدل، فرد أبو حنيفة وقال له: يا مالك، الأمر عندنا في العراق ليس كعندكم في المدينة، يا مالك، العراق عاصمة الخلافة وكل يوم يحدث جديد، والقضايا متجددة، والانفتاح على العالم غير عندكم، ولابد أن نستعد له بالفقه كي يعلم الناس إذا حدث حادث جديد ماذا يفعلون. فقال مالك أعطني مثالاً، فقال: جلست أنا وتلاميذي نتحدث: لو امرأة متزوجة وزوجها سافر وغاب، فظنت أنه مات، وتزوجت شخصاً آخر، ثم رجع زوجها الأول، ماذا تفعل ؟ فقال مالك: لم تسألون في أشياء لم تقع؟ فقال أبو حنيفة: يا مالك عندنا في العراق يخرج المجاهدون للغزو كل يوم، ويحدث ذلك، ويغيبون عن أسرهم، فنريد أن نستعد لنعلم ما الذي يحدث، فسكت مالك، فقال له أبو حنيفة: ألست تروي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما جاء رجل إليه وسأله: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يأخذ مالي؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تعطِه، فقال له: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال له: أنت شهيد، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار، قال: كيف يا مالك تقول هذا والنبي يسأل أربع مرات، أرأيت؟! فقال له مالك: ولكنها لفائدة، فقال له أبو حنيفة: وعندنا في العراق لفائدة. فكان الليث بن سعد جالساً فقال: الله أكبر، والله هذا تكامل الإسلام، أنت يا مالك تحافظ على الناس ألا يسألوا في القضايا التافهة والمستحيلة وأنت يا أبا حنبفة تسأل عن المستقبل ليحذر الناس في المستقبل، والله هذا من عظمة الإسلام ولهذا فعل رسول الله الاثنين، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن أشياء لم تقع، وفي نفس الوقت عندما جاءه رجل يسأله عن قضية مهمة قد تقع في المستقبل قام بالرد عليه.

فخرج الإمام مالك والإمام أبو حنيفة من هذه النقطة كل منهما يقول سأبقى على ما أفعله، ولكن كلاهما يتكامل لمصلحة الإسلام. وكذلك طبقوا المفاهيم الأربعة، فالاختلاف سنة كونية يجب أن تحترم لأن طبيعة العراق غير المدينة، وأيضا لأن الاختلاف يحقق التكامل، وأيضا لأن الحوار الهادئ الصادق يساعدك أن ترى الحق من جميع جوانبه، ورأينا أدبهم وهم يتحدثون مع بعض، فلا يوجد مناظرة في التاريخ بهذه الرؤية وبهذا العمق.



القضية الثانية:


القضية الثانية التي تحدثا عنها هي الإجماع، فعندما يوجد قضية تريد أن تعرف أهي حلال أم حرام وليست في القرآن ولا في السنة نأخذ برأي إجماع المسلمين، وهنا حدثت مشكلة، وهي أن مالكاً يرى أن نأخذ بالإجماع الذي يقوله أهل المدينة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرع للصحابة، وعاش في المدينة، وكل التشريع تم في المدينة، ومات النبي وترك الصحابة في المدينة، وترك تسع زوجات يحكين كل شئ فعله النبي في المدينة، وكان في المدينة عشرة آلاف صحابي عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك ما يقوله أهل المدينة هو الإجماع، فهذا كلام منطقي، ويقول الإمام مالك: أفمن مات عنده واحد أو اثنان من الصحابة كمن مات عنده عشرة آلاف؟

وأتى رجل إلى الإمام مالك وسأله: ماذا أصنع في الأمور المختلف عليها؟ فقال له الإمام مالك: ابحث عن رأي أهل المدينة، فإذا وجدت رأي المدينة فلا تشك أنه الحق، وجاءه رجل آخر وسأله: أين أجد العلم؟ فقال: تجده في المدينة، إن القرآن لم ينزل في الفرات.

أما أبو حنيفة فبرغم أنه كان أكبر من مالك بثلاث عشرة سنة كان يكن له كل الاحترام، وقال له: يا مالك، إن الفتوحات في زمن عمر بن الخطاب وزعت الصحابة على كل البلاد، وأنت تقول في المدينة عشرة آلاف، فكم عدد الصحابة يا مالك؟ وكان عدد الصحابة في آخر غزوة للنبي صلى الله عليه وسلم حوالي مائة وعشرين ألفاً، فأين الباقي يا مالك؟ فقال له مالك: في البلاد، فقال له: يا مالك، أتنكر أن عمر بن الخطاب أرسل الصحابة خصيصاً ليعلموا أهل البلاد؟ أتنكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعلم أمتي بالحلال والحرام هو معاذ بن جبل، فأرسله إلى اليمن؟ أتنكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: من أراد أن يقرأ القرآن فليقرأه على قراءة ابن مسعود، فأرسله عمر بن الخطاب إلى العراق؟ أتنكر هؤلاء؟! وبدأ أبو حنيفة يعدد أسماء العلماء الذين أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أن نأخذ العلم منهم، كابن مسعود وعلي بن أبي طالب في العراق، ومعاذ بن جبل في اليمن، والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في مصر، وأبي عبيدة بن الجراح وأبي الدرداء وبلال في الشام، أتنكر هؤلاء؟ أليس عندهم علم؟ أليس من العظمة أن يرسل عمر الصحابة في البلاد، ويترك في المدينة كثيراً من الصحابة ليتوازن العالم العربي؟ وبدأ أبو حنيفة يذكر الأحاديث: أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأعلمهم بالفرائض زيد بن ثابت، وأعلمهم بالقرآن ابن مسعود، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، فكان توزيعهم في البلاد لتتكامل علوم الأمة، فنطق الليث بن سعد وقال: والله وهذه أيضا من تكامل هذه الأمة، فالحق واحد ولكن الاختلاف يساعدك أن ترى الحق من كل الجوانب.



القضية الثالثة:

أما القضية الثالثة فهي مدرسة الرأي ومدرسة الحديث، فأبو حنيفة يتوسع، فالحديث الواحد يخرج منه مائة فائدة، أما مالك فيرى أن هذه مبالغة وهذا تحميل للحديث فوق معناه، وتأويل عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، فرد أبو حنيفة وقال: يا مالك، انظر إلينا مرة أخرى في العراق، نحن في العراق دخلت علينا فلسفة اليونان، وفلسفة الروم، وفلسفة الفرس، وأنا أريد أن أثبت الناس على منهج النبي صلى الله عليه وسلم، فأبحث في الحديث عن كل ما أجد به الردود على هؤلاء، وأنت في المدينة عندك الصحابة والتابعون؛ فلست بحاجة للتوسع، أما في العراق، فيجب أن أصد كل الهجمات، ولذلك يجب أن أتوسع، فقال الليث بن سعد: وهذا أيضا من التكامل، ابق يا أبا حنيفة تنظر في الحديث بما يسد ثغرات هجوم الناس على الإسلام، وابق يا مالك بثوابت ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، كلاكما يكمل الآخر، كلاكما يحفظ الإسلام.

لو جلس الزوج وزوجته، لو جلس المختلفون في العراق ودارفور ولبنان بهذه النوايا الصادقة، لو جلس المختلفون فقهيا، لو جلس الفقهاء والعلماء بهذه النوايا الصادقة، لن توجد اختلافات، فتاريخنا مشرف، فهاهي مناظرة من أعظم مناظرات التاريخ.



الإمام مالك بعد لقائه بأبي حنيفة:


أما بعد اللقاء فخرج الليث بن سعد وقال لمالك: كيف وجدت أبا حنيفة؟ فأخرج مالك منديلاً ومسح عرقه، وقال له: عرقت والله يا ليث، عرقت من أبي حنيفة، والله يا ليث إنه لفقيه يا مصري، والله يا ليث ما رأيت أحداً يناظر كهذا الرجل، والله لو قال لكم أن هذا العمود من الحديد ذهب لأقنعكم برأيه، ثم ذهب الليث لأبي حنيفة، فقال أبو حنيفة: ناظرت المئات من الرجال، ما رأيت أحداً أسرع في قبول الحق من مالك، والله يا ليث لقد أحببته. فنحتاج أن نتعلم منهما، فهذه الحلقة مهمة لكل الناس: الصحفيين والسياسيين والإعلاميين، علماء الدين، الأزواج والزوجات، الآباء والأبناء.

أما الأفعال فبعد هذا اللقاء حدثت أفعال جميلة جداً، فأبو حنيفة أرسل ابنه إلى المدينة ليتعلم فقه مالك، وكذلك مالك طلب كتب أبي حنيفة، ويقول: لأنتفع بها، وعقد محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة دروساً في العراق يعرف الناس بفقه مالك؛ فيمتلئ المسجد فلا يوجد موضع قدم.

أرسل أبو حنيفة لمالك وقال له: إن لنا رأياً في أمر ولا أحب أن أقوله للناس حتى أسأل عن رأيك فيه، فقال: ما هو؟ قال: أنا لا أكفر المسلمين بالمعاصي، فقال له مالك: وأنا على ما تقول، فقال أبو حنيفة: إذاً أنشرها بين الناس، فضحك ليث بعد أن سمع هذه الحكاية وقال: وهذا من ذكاء أبي حنيفة، فبعد هذا اللقاء كانت هناك رسائل متبادلة بين الإمام مالك والإمام أبي حنيفة والليث بن سعد.

جاء المنصور خليفة المسلمين مالكاً، وكان يكره أبا حنيفة، فجاء يعرض عليه أن يلغي كل المذاهب الفقهية الأخرى ويعمم فقه الإمام مالك، فنحن لا نعرف نيته، أرأى أنه من الأفضل للناس أن تتبع فقهاً واحداً أم لأنه كان يكره أبا حنيفة، فقال للإمام مالك: سنكتب كتابك بماء الذهب ونعلقه في الكعبة، ونأمر الناس في كل البلاد أن يتبعوا فقه مالك، فقال مالك: لا تفعل، فقال: لماذا؟ فقال: إن أصحاب رسول الله تفرقوا في البلاد، وعند كل قوم علم ورأي وفهم، فإنك إن جمعتنا على أمر واحد تكن فتنة فلا تفعل، ودع الناس على علمهم، فقال مالك الحق وفي نفس الوقت لم يذُب ولم يفرض رأيه على الآخرين. فطبق الأربع قواعد: الأولى: أن الاختلاف سنة كونية يجب أن تحترم، والثانية: أن الاختلاف يحقق التكامل بيننا لذلك فهو ميزة وليس عيباً، والثالثة: أن الحوار الهادئ الصادق يساعدك أن ترى الحق من جميع جوانبه، والرابعة: عند الاختلاف إياك أن تنسى أهل الاختلاف. فتعلمنا الأدب، وتعلمنا الأخلاق، وتعلمنا الحق.





نص الحلقة منقول من موقع الداعية عمر خالد

مودتي ,,







التوقيع

همسه غلا سابقا

أسـعـد القلوب .. التي تنبض للآخرين...


علينا أن نتوقع دائماً سقوط الأقنعة حتى لا نصابُ بخيبة الأمل عندما نراها تتساقط أمامنا فلا تخدعوا أنفسكم و إحذروا أن تـَخدعون وتـُخدعون

أودعكم بدمعات العيون ، أودعكم وأنتم لي عيوني

أودعكم وفي قلبي لهيب ، يفوح شظاه من لب الشجون


أراكم ذاهبين ولم تعودوا ، أكاد أصيح أخواني خذوني

ألا يا إخوة في الله كنتم ، على المأساة لي خير معين

وكنتم في طريق الشوك وروداً ، يفوح شذاه عطراً من غصوني

إذا لم نلتق في الأرض يوماً ، وفرق بيننا كأس المنون

فموعدنا غداً في دار خلد ، بها يحيا المنون مع المنون
رد مع اقتباس